
·
ليس من العدل اتهام القضاء الليبي بالفساد
·
وليس من العدل الحكم على القضاة في ليبيا
بالجبن
وهذه القضية تثبت نزاهة القضاء الليبي.. وشجاعة القضاة في
ليبيا.. لكن الطامة الكبرى- ليس في هذه القضية فحسب- هي جهات تنفيذ الإحكام التي لا
تعر اهتماما يتنفيذها.. بل أغلبها يحتفظ بنصوص الأحكام في إدراج المكاتب من دون
رغبة التنفيذ.. والأسوأ إنه لا جهة تتابع التنفيذ من أجل إقرار العدل والمساواة..
لهذا كان فساد الإدارة.. ولا بد من إصلاحه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه .
باسم الشعب
محكمة : الجبل
الأخضر الابتدائية
الدائرة : الكلية
مدني
بالجلسة المنعقدة
علناً بتاريخ الأحد 17 ربيع أول 1402 و. ر الموافـق 30 / 8 / 1992 م
برئاسة القاضي :
مصطفى محمد عبد الجليل
وبحضور : عبد
الحميد
خالد الشريف- كاتب الجلسة.
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة
بالسجل العام تحت رقم 274 لسنة 1992 م
المرفوعة من /
محمد صالح علي ـ موطنه المختار مكتب المحامي عيسى صالح أبوغزالة ـ الكائن بشارع
العروبة ـ البيضاء.
ضد:
أمين اللجنة
الشعبية العامة.
أمين اللجنة
الشعبية العامة للخزانة.
أمين اللجنة
الشعبية لبلدية الجبل الأخضر.
أمين اللجنة
الشعبية للخزانة ببلدية ا لجبل الأخضر.
رئيس مجلس إدارة
المصرف التجاري.
رئيس مجلس الإدارة
العامة للمصارف.
رئيس مجلس إدارة
مصرف شحات المركزي.
من حيث أن المدعي
قد أقام هذه الدعوى بصحيفة جاء فيها أنه يعمل موظفاً بأمانة التعليم، ويقوم بأداء
وظيفته بأمانة وإخلاص، وخلال عام 1986 أصدرت اللجنة الشعبية العامة للخزانة
تعليمات لتنفيذ إجراءات دفع مبلغ مائتي دينار لشراء بندقية، وفعلاً تم خصم المبلغ
من مرتبه، واستناداً إلى أنه لا يجوز فرض ضرائب إلا بقانون وهي قاعدة قانونية في
جميع أنحاء العالم وكمبدأ دستوري عام، وإلى كون جهة الإلزام هي سلطة تنفيذية لا
يحق لها تشريع أي قانون، وعلى فرض أن هذا الإلزام كان بقانون فإن التكييف الصحيح
الذي يمكن صبغه على العلاقة ما بين الدولة والمواطن في شأن تحصيل هذا المبلغ ما هي
إلا عقد بيع حسبما يتضح ذلك من الرسائل الصادرة عن اللجنة الشعبية العامة إلى جهات
الاختصاص تعني خصم المبلغ لشراء بندقية، ولما كان القانون لم يشترط شكلاً معيناً
لعقود البيع، فيكون العقد المبرم بين المدعي والدولة ما هو إلا عقد بيع، وقد عرفت
المادة 407 مدني بأن عقد البيع يلتزم به البائع أن ينقل للمشتري ملكية شيء أو حقاً
مالياً فيم قابل ثمن نقدي، وحيث أن عقد البيع يرتب التزامات متقابلة فالمشتري ملزم
بدفع الثمن والبائع ملزم بتسليم المبيع، وفي هذه الدعوى فقد قام المدعي بسداد
الثمن دون أن يسلِّم المدعَي عليهم المبيع ومن ثم يجوز للمدعي كطرف في عقد البيع
هذا طلب تنفيذ العقد أو فسخه مع التعويض.
ونظراً لأن الدولة
ممثلة في إداراتها وهيئاتها لم تسلم المبيع، لذا فإنه يطلب فسخ العقد واسترجاع
الثمن مع تعويض بألف دينار هذا الفسخ مع المصاريف وأتعاب المحاماة وشمول الحكم
بالنفاذ المعجل.
وحيث أنه بالجلسة
المحددة لنظر الدعوى قد حضر عن المدعي محاميه عيسى صالح بوغزالة بموجب توكيل خاص
وعن المدعي عليهم محامي الإدارة أنور الصابر.
وقد تمسك محامي
المدعي بما ورد بالصحيفة وأضاف أن أساسها هو فرض ضريبة دون قانون وكأساس احتياطي
هو عقد بيع لم يلتزم البائع فيه بتسليم المبيع، رغم التزام المشتري بسداد الثمن من
وقدم سند الوكالة ومراسلات خصم المبلغ المدعى به.
وحيث أن محامي
الإدارة قد طلب أجلاً لانتظار الرد مع الاحتفاظ بإبداء الدفوع الشكلية، والمحكمة
حجزت الدعوى وخلال المدة أودع محامي الإدارة طلباً بفتح باب المرافعة والمحكمة
حددت الجلسة المحددة للنطق بالحكم حددتها للمرافعة وفق طلب محامي الإدارة.
وحيث أنه بجلسة 16
/ 8 / 1992 حضر الخصوم وقد قررت المحكمة فتح باب المرافعة بناء على الطلب المقدم
من محامي الإدارة والذي عاود طلب التأجيل لإيداع مذكرة نهائية.
ولما كانت الصحيفة
قد أعلنت في 25 / 5 / 1992 وفي هذا وقت كاف لإعداد الدفاع، لذا فإن المحكمة لم تجب
محامي الإدارة في طلبه إلا لمدة أسبوعين فقط صرحت له خلاله بإيداع ما يرى إيداعه.
وحيث أنه في 27 /
8 / 1992 أودع محامي الإدارة مذكرة دفاع طلب فيها إخراج المدعي عليهم عدا الأول من
الدعوى باعتبارهم لا علاقة لهم بالقرار أساس الدعوى ولا تربطهم أية رابطة قانونية
بمصدر القرار، خاصة المصارف التجارية التي تعتبر بمثابة شركات تجارية مساهمة وصفة
التقاضي بها منوطة برئيس مجلس الإدارة، وفيما يتعلق بالدعوى فقد فند جميع الأسس
القانونية التي يمكن أن تستند عليها، أي دعوى بداية بالعمل غير المشروع ونهاية
الإثراء بلا سبب ودفع غير المستحق ومروراً بالقانون والعقد وانتهى إلى أن القرار
أساس الدعوى قد صدر معدوماً باعتباره قد استند إلى عيب اغتصاب السلطة، وطلب رفض
الدعوى لسقوط الحق فيها بالتقادم استناداً إلى المادة 190 مدني وأن الخصم قد تم
عام 1986، وأن قانون الضريبة الليبي قد نص على عدم جباية أي رسم بدون قانون ولا
يعتد الجهل بالقانون.
وحيث أن الدعوى قد
صدر فيها الحكم بجلسة اليوم، لذا فهو حضوري بالمادة 92 من قانون المرافعات.
والمحكمة
وبعد سماع
المرافعة والإطلاع على الأوراق
ومن حيث أنه يتضح
من جملة ما تقدم أن مدير عام الخزانة باللجنة الشعبية العامة للخزانة ( سابقاً ) قد
وجه الرسالة رقم أ. 1. 47 / 4494 المؤرخة في 31 / 8 / 1986 إلى رؤساء مجالس
الإدارة والمدراء العامين بالمصارف التجارية طالباً منهم تنفيذ تعليمات اللجنة
الشعبية العامة بخصوص إلزام كل مواطن بدفع مائتي دينار ثمناً لبندقية، وأشار إلى
قواعد تطبيقية لهذا تم إعدادها من قبل اللجنة الشعبية العامة للخزانة، وقد ورد فيها
كيفية استقطاع هذا المبلغ من قطاعات الشعب المختلفة، فنصت تعليمات اللجنة الشعبية
العامة على تحصيل هذا المبلغ من مثال المدعي بالاستقطاع المباشر من جهة عمله، على
دفعة واحدة أو مجموعة دفعات، وتحال لحساب خاص بمصرف ليبيا المركزي.
وحيث أنه يبين من
جملة هذه القرارات أن الدولة الليبية قد ألزمت كل مواطن يعمل بها بأن يدفع مائتي
دينار لصالح الخزنة العامة لشراء بندقية، ولما كان مثل هذا التصرف لا يُعد بيعاً
بمفهومه القانوني، ذلك أن عقد البيع يعتمد أساساً على سلطان الإرادة ومبدأ الإيجاب
والقبول، وكانت إرادة المواطن في هذا التصرف لا عبرة لها، إذ أنه ملزم رغماً عنه
بدفع هذه القيمة، بل ليس بدفعها وإنما مرغم على القبول باستقطاعها من مرتبه، ومن
ثم فإن المحكمة تنتهي إلى أن أساس هذه الدعوى ليس عقد البيع، حتى يلزم البائع
بتسليم المبيع أو رد الثمن، كما أنه لا يعد رسما ذلك أن الرسم وإن كانت تفرضه
الدولة بإرادتها المنفردة ولا دخل لإدارة الفرد فيها، إذ لا يستطيع الدخول في
مناقشة تحديد مقداره أو كيفية فرضه. إلا أن هذا الرسم عادةً ما يكون مقابلاً لخدمة
عامة ولو كانت تتصف بالجبرية، وهو ما يتوافر في هذه الدعوى.
وحيث أن الثابت من
الأوراق عجز الإدارة عن إثبات استيراد الدولة لهذه البنادق وتخصيص بندقية لكل
مواطن أو مواطنة برقمها ونوعها ومكان وجودها ليتسنى له استلامها عند الحاجة إليها.
كما أنه لم يثبت من المسئول عن تخزينها وصيانتها أو عن تلفها وضياعها ومن ثم، فقد
أضحت مجرد كلمات على ورق لا تعني شيئاً أمام النصوص القانونية التي تواترت على أن
فرض الضرائب والرسوم لا يكون إلا بقانون ولا يجوز مطلقاً أن يكون بأداة قانونية
أقل من ذلك إلا في حالات استثنائية بموجب تفويض شرعي، وهذه الحالة ليست من تلك،
ومن ثم فإن المحكمة تنتهي إلى أن التكييف الصحيح لهذه الدعوى (هو فرض نوع الضرائب)
ذلك أن الضريبة هي مبلغ من النقود تجتبيه الدولة كرهاً من مواطنيها بهدف تغطية
النفقات العامة دون أن يكون ذلك في مقابل نفع يعود على دافع الضريبة مباشرة، وقد
نصت المادة 17 من الإعلان الدستوري الصادر عام 1969 على أنه لا يجوز فرض ضريبة أو
تعديلها أو إلغائها إلا بقانون، كما لا يجوز إعفاء أحد من أداء الضرائب في غير
الأحوال المحددة بالقانون ولا يجوز تكليف أحد بتأدية الرسوم إلا في حدود القانون.
وحيث أنه وبمطالعة
المحكمة لجملة القوانين المنظمة لقواعد اختصاص اللجان الشعبية العامة والنوعية
سواء الصادر منها عام 1981 أم عام 1991 م وهي الفترة التي صدرت فيها القرارات أساس
الخصومة في هذه الدعوى فإنه لا توجد أية اختصاصات للجنة الشعبية العامة في هذا
الصدد، كما أنه ودون الخوض في بواعث وأسباب هذا القرار وما استند عليه من خطابات
أو خُطب لخروج ذلك عن اختصاص المحكمة ولكونه غير معروض أصلاً عليها، إلا أن
المحكمة تطبق رقابة الامتناع التي تملكها قانوناً وفق نص المادة 16 من قانون نظام
القضاء، إذ أن هذا الإجراء يعتبر خالفا مخالفة صريحة للقوانين واللوائح ومن ثم
يعتبر عملا ماديا خاطئا يجعل من هذا الاستقطاع عملاً غير مشروع.
وحيث أنه وإن كان
المواطنون الليبيون قد ارتضوا شعار " إن الدفاع عن الوطن مسئولية الجميع "، إلا أن
ذلك لا يعني تحميلهم لثمن السلاح الذي قد يدافعون به عن وطنهم والذي يجب أن تتحمله
الدولة، فحتى في أعتى الدول تطبيقاً للاشتراكية تتحمل الدولة هذا العبء خاصة وأن
بلدنا ذو موارد مالية كبيرة وذو إنفاقات هائلة في التسلح والتسليح جعلته هدفاً
وقبلة لتجار الأسلحة ومطمعاً لسماسرتها، ومن ثم فإن المحكمة ترى أنه لا إلزام
للمواطن بهذه التبعية سواء في إعلان قيام سلطة الشعب أم في الوثيقة الخضراء الكبرى
لحقوق الإنسان والتي نصت مادتها الثالثة والعشرون على أن السلام هو هدف ومسعى
الجماهير وهو وحده الكفيل بتحقيق الرخاء والرفاهية بعيداً عن تجارة الأسلحة التي
أثقلت الأفراد بعبء الضرائب وهو ما يؤكد أن تجارة الأسلحة تستتبع فرض الضرائب على
المواطنين بغير وجه حق.
ولما كانت المادة
166 من القانون المدني قد نصت على أن كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم مرتكبيه
بالتعويض، واستناداً إلى استقطاع مائتي دينار من مرتب المدعي الموظف بمرتب والعائل
لأسرة قد سبب له ضرراً مباشراً تثمل في القيمة المستقطعة وعدم استفادته منها سواء
تم استقطاعها دفعة واحدة أم على أقساط، وسبب له أيضاً ضرراً غير مباشر تمثل في
الإرباك الذي طرأ على الوضعية التي كان قد كيف بها وضعه المالي وفق موارده وأوجه
صرفه، لذا فإن الأمر يستوجب التعويض إعمالاً للمادتين 224 / 225 مدني.
وحيث أنه عن
الدفوع التي أبداها محامي الإدارة فإنه فيما يتعلق بعدم وجود صفة للمدعَي عليهم عدا
الأول، فإن الأمر في غير محله بالنسبة للمدعي عليه الثاني والذي بموجب تعليماته
للمصارف تم الاستقطاع وهو صاحب الشخصية الموجبة للتقاضي، كذلك بالنسبة للمدعي
عليهم الخامس والسادس بصفتهم من أنيط بهم التمثيل القضائي للمصارف التي احتفظت
بهذا المبلغ المستقطع ومن ثم يتعين رفض الدفع بالنسبة لهؤلاء مع الاستجابة إليه
فيما عداهم لعدم وجود الصفة للسابع، ولعدم تدخل الثالث والرابع إيجابياً أو سلبياً
في هذه الواقعة المتمثلة في المراسلات الموجبة للاستقطاع.
أما عن الدفع
بتقادم الدعوى فإنه وإن كان المدعي على علم بالضرر الذي أصابه، فليس بعالم بمن سبب
له هذا الضرر، والعلم لا بد وأن يكون على وجه اليقين وهو ما لم يتحقق. فضلاً عن كون
المسئولية شائعة في عصر ممارسة الشعب لسلطته بنفسه، ومن ثم صَعُبَ على المدعي
معرفة من المتسبب في ضرره. بالإضافة إلى أن قانون تعزيز الحرية قد نص على مبادئ
منها حق التقاضي وقال عنه أنه لا يسقط بأي مُسقط ولا يجوز التنازل عنه، ومن ثم فقد
أضحى هذا الدفع في غير محله ويتعين رفضه كذلك.
وأخيراً عن
المصاريف وأتعاب المحاماة، فقد ألزمت المحكوم عليهم بها عملاً بالمواد 206/ 282
مرافعات. وقدرت الأتعاب بما بذله الدفاع من جهد سواء في إعداد الصحيفة أو الترافع
مع رفض شمول الحكم بالنفاذ المعجل كون الدعوى ليست من حالات جوازه أو وجوبه.
لهذه الأسباب
حكمت المحكمة
حضورياً بإلزام المدعي عليهم الأول والثاني والخامس والسادس بأن يردوا للمدعي
مائتي دينار ثمن البندقية المستقطع منه، وبتعويضه بمائة دينار عن هذا العمل غير
المشروع مع المصاريف القضائية وأتعاب المحاماة التي قدرتها بخمسين ديناراً مع رفض
ما عدا ذلك من الطلبات.
كاتب الجلسة
رئيس
المحكمة