((1))
الجرس
بطن من بطون قبائل (الأمازون).. تقطن كهوف بمحاذاة (أيك) مترامي على امتداد السفح
والوادي !..
يعيش على الصيد بالركض والمطاردة والنشّاب.. لحم وجلود... قطف ثمار ما تجود به
أشجار المانغروف.. والمانجو الاستوائية ونباتات الأيك الأرضية..
ذات صباح.. أحد أفراد القبيلة اختبأ (بأكّمة) منتظراً مرور حيوان يكون فريسته وغذاء
لمن حوله !..
شعر بجسم بارد تحت موطأ قدمه.. ألتقطه.. جسماً معدنياً برّاقاً.. يعكس أشعة الشمس
الحاضرة الغائبة..
نظر إليه باستغراب... وبعفويّة حرّكه.. أصدر رنيناً عالياً.. خاف.. رماه من يده..
خيّم الصمت ثم حمله بحذر.. حرّكه مرّة أخرى.. أعجبته النغمة النحاسية.. لفّه في
جرابه الجلدي.. كل من في القبيلة أعجبه الشكل والصوت واللون..
اجتمعوا وليلا رقصوا على إيقاع الرنين.. مع لهيب النار المتراقص.. أدخل السعادة
بالقبيلة!..
أيام و (ريهو ) يعلقّه بجرابه لإغواء العذارى.. تعلم الغناء بمصاحبة حركة الرنين
النحاسية.. غنّى لكل أعيان القبيلة.. كسب تينا.. وجوزا.. وقرودا مسلوخة.. وحتى جلد
بيزون وريش نعام !..
استمر الحال.. دارت الدنيا التي دوام حالها من المحال.. ليلة مظلمة صدى تكسّر فروع
أغصان الأشجار.. بطن آخر من آكلي لحوم البشر..
تنبّه الحارس الليلي.. بسرعة أختبأوا بكهف.. واسع مظلم.. نساء وأطفال وشيوخ.. فهم
لايجيدون الحرب..
داخل الكهف... وفي الظلام تداولوا الهمس.. والهسهسة.. بحث قصاصي الأثر عنهم طوال
الليل البهيم بعد يأس!.. قرروا النكوص وعلى حين غرّة.. سمعوا وراءهم رنينا متتاليا
!.. تأهبوا.. دخلوا الكهف المظلم.
((2))
الجواد الأبيض
أنت لا تستطع أن تقهر
الموت !..
ولكنك تستطيع أن تقهر خوفك
منه !!..
نيكوس كازانتزاكيس،،،
كاتب يوناني
سِيِدِي.. سِيِدِي..
الشيشلياني!.. جا... جانا الشيشلياني.. هكذا نادى الصبي أبيه وهو يشير ناحية
الأفق.. راكضاً.. مذعوراً.. تلقّف الأب الصبي.. قبض على عصا ( المسحه ) المعروقة
بعصبية.. ثم شدّ على كتفّ الصبي المرتعشة محاولاً طمأنته..
ادخله الدار.. وبالدار تلملمت
كومة اللحم.. وسط ( السقيفة ) المسقوفة من سنين.. بسعف النخيل.. تنصتوّا لوقع خطوات
حذاءه الثقيل.. ومع صهيل الجواد.. وقف بباب الدار بندقيته الطويلة على كتفه.... مسح
جبهته بطرف كمه المتسخ.. نظر سخرية وقال بلهجه آمره : (ابري براتي البرانسو الفريتا
سوماري) !..
بكلتا يديه أمسك عصا ( المسحه
) ونظرة غضب وجرأة.. نحو عدو دينه.. رفع هامته كصقر يدافع عن فراخه.. وفي حال نفسه
(جدتي دائماً تقول : عيشة البني أدم وقفة عز.. والموت.. موت وحده ) أحــس (
الشيشيليانوا ) بالخـوف لحـظة ثم تذكــّّر أن ( الجندرمه ) قادمون وراءه.. تمالك
نفسه.. ليعيد هيبته.. وبصوت افتعل عنجهيته : (سوتو الميو اوردني )
تشبّث الصبي برداء أمه..
الصامتة.. التي اخفت منجلا بين طيات الرداء ( بوخمسة وأثنين ) وفي حال نفسها (النار
ولا العار) وعلى حين غّرة نحّت زوجها.. وقفت أمامه.. غير آبهه وكأن روح دخلت
جسدها.. غير روحها الوادعة.. وبلمح البصر أخرجت المنجل المسنّن وبصوت ينم على
الصلابة : ( اهو.. يا نصراني.. يا كافر.. يا عدو الله )!.. اندحر الشيشليانو خطوة
إلى الوراء متكأً على زير المياه بثقل جسده المترهل.. همس في نفسه : فأس ومنجل
وإرادة قوية.. فكّر لو قتلت الرجل.. لذبحتني المرأة الجسورة بالمنجل.. ولو أطلقت
رصاصة في قلب المرأة لفلقت المسحه جمجمتي.. أوه ماريا..
-
فضّل خيار الخسارة.. الحياة أفضل من العدم.. شتم وهو خارج بكل ألفاظه السوقية
الشيشليانية.. توالى صهيل الجواد.. بصعوبة استجاب ( الملجّم ) للامتطاء..طأطأ
رأسه.. حتى أن التراب عبق من زفير أنفاسه..
ذُهِلَ الشيشليانوا من هول ما رأى.. حدثّ نفسه : ( فشلت ) !.. حلمت بالقوت والمتعة
حتى ان ( فاشكو ) النبيذ الصقلي المعتق معي..
سار الهوينه.. متفادياً شجيرات المثنان.. شعر بالغثيان.. وأنه يريد أن يتقيأ.. نزل
من على صهوة الجواد.. اتكأ على صخرة.. تجشأ بقايا زلال ولبن حامض.. سمع صوتاً بدأ
خافتاً ثم علا.. فحيح !.. أعقبته عضّه.. صرخ !.. تدلت أفعى صغير الحجم سوداء من ظهر
يده.. رماها أرضاً بقوة.. ركض وراءها.. محاولاً ان يدوسها بحذائة.. دخلت أكمّة
عشبيّة.. ربط ذراعه من أعلى باللجام.. مع حركة الجواد لم يهنأ.. نزع قميصه..
مزقّه.. تفصد عرّقاً من كل مسام جسمه.. خلع كل ملابسه.. شعر بالوهن والضعف.. تمّدد
بظل الصخرة.. ما حوله يدور كطاحون.. سعل بقوة.. سال لعابه.. الدار عن بعد....
المرأة.. الصبي.. المسحة تنغرز في التراب الأحمر مرة بعد أخرى..
صهل الجواد.. ثم نظر نحو
الشيشليانو.. غير مبالي.. وانطلق في البريّة المعشوشبة..
نزلت قطرات مياه كأنها الندى..
على صفحة وجهه الرومي المنمّش.. بدأت بطيئة متقطعة ثم تواصلت.. اشتمّ رائحة الثرى..
صوت من بعيد.. الحمد لله !..
الحمد لله !.. لوحة ضبابية من خلال الغشاوة.. الفلاح ملتحم بأسرته.. ذراعاه نحو
السماء.. مبللاّ ورجلاه العجفوان وسط الغدير.. استمر المطر بالانهمار..
تعاقبت الأيام.. تلتها
شهور.. لاحظ كل من مرّ بالقرب من المكان أن الصخرة يحيط بها نبات الإكليل الأخضر من
كل جانب حتى قارب أن يواريها !!..
ـــــــــــــــــــ
§
شـيـشـلـيـلـا : جزيرة صقلية بايطاليا أتى منها عسكر الاحتلال الأجلاف.
§
ابري براتي البرانسو الفريتا سوماري : أسرعوا بتجهيز مائدة.. أيها الرعاع.
§
الجلنلـدرملـه : فصيل من جنود الاحتلال الإيطالي.
§
ســوتلـو المليلـو اوردنلي : اخضعوا لأوامري حالاً.
§
فـلـاشـلـكلـو : من الخشب يحفظ به النبيذ المعتّق.
§
الـسلـقليلـفلـة : ساحة البيت البدوي.
§
بعد هذه الأحداث السابقة بمدة أتى فصيل الجندرمة بحثاً عن الجندي المفقود فلم يجدوه
فقاموا بإعدام الأسرة.
§
قصة أغلب احداثها واقعية سنة 1941 ف بمنطقة (كمبوت الساحلية) والتي تبعد عن مدينة
طبرق بمسافة 60 كيلو متر شرقاً.
§
تم التنكيل بهذه الاسرة ومثلّ بجثة الشهيدة (مبروكة مصطفى ) ببقر بطنها وهي حامل
بينما الزوج الشهيد (سعيد سعيد جلغاف ) والابنه (أعزيزة حكيم شعيب ) اعدم رمياً
بالرصاص، قبورهم شواهد بـ ( أرقبة القصير ) على ساحل البحر (( الفاتحة لأرواحهم )).
((3))
المشي على أريع

نيرون*.. وقبل حرقه لروما.. بسنة
كاملة.. أزداد مرضه الذهاني.. لم ينم ليال.. مخمورا..
مُسهدا.. شاحباً.. يُحدّث السماء والظلام والنجوم..!
صباحاً.. جمع الوزراء والعلماء.. أبلغهم أن إلهامه حدثّه :
أن طائره الملوّن ذو المنقار المعقوف يتحدّث ويردّد ما يقال له !.. ثمّ أوضح لهم
أفكاره العلميّة بقوله :
سَكَبتُ قطرات من الندى الصباحي بعد تجميعه.. داخل بيضة.. بعد إفراغها من محتواها
الزلالي.. عرضّتها لحرارة الشمس.. طارت في السماء !..
صاح الجميع : يا للعبقرّية والعجب!!..
أستطرد قائلاً من على منصّة مسرح (بوسريدوس) : إليكم فكرتي العبقريّة الأخرى!..
قديماً.. وبداية نشأة الأرض.. التي هي على قرن ثور.. كل أنثى ( تمشي على أربع )
!..
خيمّ الصمت.. حتى الطيور توقفت عن الزقزقة والغناء.. نظرات مستغربة وجلة..
رفع أحد العلماء يده قال : سيادة الإمبراطور لقد رأيت بأم عيني كهف به رسومات تدل
على ذلك.. تصفيق حار !!..
أحد الوزراء ذو لحية كثّة أضاف : عندي حفريّة قديمة بها ما يثبت صحة ما قاله سيدي
الإمبراطور العظيم نيرون دوميتوس ياربوس..
وزير آخر : سيدي إنك علامّة وعبقري زمانك.. أين منك أفلاطون... وأرسطو طاليس.. شعر
بالزهو.. أفرغ ما تبقى من قنينة النبيذ جرعة واحدة !..
الكهنة.. والرعاع.. أتوا بدلالات.. وبراهين.. وشهود.. على أن الأنثى تمشي.. وتأكل..
وترضع.. وهي على أربع..!
جمعهم.. وزّع.. هدايا.. وضياع.. شكرهم وأثنى عليهم كثيراً.. دعاهم إلى التفكير
والعلم الدامغ !.. استطرد آمراً.. منذ الغد.. أُريدُ كل إناث روما أن تمشي على أربع
كما هو أصلنا وما أثبته بحجتي وعلمي وعقلي الراجح !..
رفضت كل العذارى والنسوة.. خرجنا إلى الشوارع.. عمت الفوضى.. أحرق روما !!...
ــــــــــــــــــ
·
- كابوس مخيف احدى ضحاياه امه ( أجريبينا ) التي دست السم لزوجها ( كلوديوس ) من
أجل أن يعتلي العرش في سن الخامسة عشر، والتي قالت قبل قتلها : ( لقد بليت العالم
بهذا الشيطان !.. ).
·
-الضحية التالية زوجته الأولى ( اوكتافيا ) نقدت إداءه المسرحي.. فقتلها !.
·
- الضحية الأخرى معلمه المباشر ( سينيكا ) قتله لنصائحه المتكررة له.
·
أشهر جرائمه حريق روما سنة 64 م الذي دام تسعة ايام ووسط هلع الأجساد الراكضة
المحترقة على انغام قيثارته وفي مكان مرتفع يغني اشعار ( هوميروس ).
·
نكلّ بالمسيحيين نتيجة فتنة اليهود ولم ينتهِ هذا التنكيل بموته.
·
موته يقال منتحراً، ويقال أيضاً انقض عليه الجنود وقطعوه أرباً.
((4))
في محراب الحب

هبطت الأمراض والشرور من السماء للأرض
...
رافقها ضياء .. عرف قاطن الأرض المسكين
أن الضياء هو (الحب
) .. بكى !..
اكتشف أن (الحب
) مثله مثل الأمراض والشرور .. بكى بحرقة !..
المؤلف
رَناَ
خيالها إلى البعيد.. نظرت نحو القمر المكتمل بأكليله الفضّي همست : يا رفيقي
وأنيسي.. أنر دربي وطريقي.. وإن أنا.. فاضت مآقي دمعاً.. كن شاهداً أنني ذرفت دماً
غير آبهه بسقمي.. اعتدلت في جلستها في وضع يمكنّها من العود وأوتاره.. لمست أناملها
الأوتار دفعة واحدة وبالأصابع الأربعة.. علت دندنة رخيمة.. ثم كل إصبع على حده..
وأنشأت تشدو:
يا منْ لَعبِتُ بهِ شُمولهِ... ما أطيبُ هذهِ الشمائلُ...
انسابت دمعة مثل لؤلؤة على الخد الرخامي.. تكوّرت.. اتخذت سبيلها بجانب الشفاه
المكتنزة الورديّة.. دلف مسرعاً قلقاً إلى الداخل بقامته الفارعة..
- بحق الله.. دعيني أفكر.. في حل المعضلة !.
نظرت تجاهه : كم تحبه انه سهادها وآلمها المضني وانفطار قلبها المعطوب !..
- أنتِ من جعلته يأتي كل يوم حتى
إن زوجته...عنفتّني..... آه.. لو لم تغنّ وتعزفي جيداً !..
ركّز بنظره تجاه وجهها القمري.. أضاف ليته لم يرك.. ولم يشاهد بحر عينيك.. أعرف إنه
غرق.. كما غرقت !..
.. ولكن الصبر يا عزيزتي..
ضحكت :
- نعم هذا هو الحل !..
صفقّ الباب وفي الخارج حدّث
نفسه : أ أضحّي؟.. بكل ما بنيته.... عشيرتي.. ضياعي.. مكانتي.. أكون غير عاقل
بالمرّة لو فعلت !..
قابله الخادم جزعاً :
- سيدي.... أمير المؤمنين في دارنا..
أنه يطلبك في الحال..
أمتعظ.. زّم شفتيه..عدّل من وضع عمامته المرصّعة..رسم ابتسامه.. أسرع بخطواته
لمقابلة أمير المؤمنين هارون الرشيد..
و بكلتى يديه أمسك اليد البيضاء النديّة.. قبّلها قريباً من فص الخاتم الذهبي..
- كم أنا سعيد يا مولاي أمير المؤمنين
بتشريفك وحضورك القصر..
قال الأمير : أعدّ لي مجلساً.. أنني أشعر بضيق.. فالحال…. والأعمال كتمت أنفاسي..
بحاجة لمنادمتك.. فأنت خير رفيق.. وخير معلّم..
خلع عمامته.. وضع المسبحة الكبيرة الحبّات فوق العمامة.. جلس على الطنفس والخدم من
حوله.
- عقّب.. أين هي صانعة السعادة والهناء ؟! مغنيتنا.. وشاعرتنا الحبيبة ( دنانير )
أريد أن أنصت إلى الطرب الذي يمسُّ شغاف الأفئدة..
- حالأً وتكون بين يديك.. يا مولاي.
رجع يحي بن خالد البرمكي إلى حجرتها سميعاً …. خائفاً :
- أي دنانير.. بحكم معزّتي عندك.. شعرت انه لا يستطع أن يقول يا ( حبيبتي ).. فطيف
زوجته الصعبة المراس.. سليلة الحسب …والنسب …يحوم حوله… لو نطقها لفقد كل ما يملك..
حتى حياته !.. (لكنني.. أعشقه !.. ) يا الله… لكم في الحبّ من ألم عندما يكون من
طرف واحد.
كما الحسن والجمال في بعض الأوقات إذلال ما بعده إذلال !..
عادت بذاكرتها إلى الوراء.. شهامته.. ما فعله من أجلها.. اشتراها من أحد التجار..
وفي نفس اليوم اعتقها.. خيرّها بين المكوث والرحيل.. قررت المكوث.. وفي يوم مرضت..
أتى بالأطباء.. قررّوا.. ألاّ تصوم شهر رمضان.. لِسقم معدتها.. دفع عنها ثلاثين ألف
دينار كفارّة الإفطار طيلة الشهر.. عاشت في كنفه.. أيام حنو ونعيم... بعذابات
هيامها أصبحت سهد وجحيم..
أصلحت من زينتها.. احتضنت العود بابتسامة عذبة طفوليّة.. رحبت بالأمير وكل
الحاضرين
شَدَتْ.. لحن جديد من صنعها.. التمعت العيون بالنشوة والشهوة... كلّ سلو هجيرها..
واصطلاء نارها عبرت عنه الأوتار.. وقف من سمع حتى اليمام والنيّام.. هلّل هارون
الرشيد.. قبّل وجنتيها ويديها ومن بعده ابراهيم الموصلي واسحاق.. أشهر أهل الفن
قاطبة.. رجع كل إلى مجلسه..
همس الموصلي في أذن الرشيد :
( لحن كالذهب المصفّى أقول يا سيدي
أمير المؤمنين متى فقدتني.. ودنانير باقية فما فقدتني !..)
نظرت نحوهم عاودها انفطار قلبها.. فالحب بعيد والأمل بعيد.. أبعد من بلاد الصين..
رسمت ابتسامه باهتة.. بانت غمازتاها مع خال صفحة خدها.. كنقطة عنبر في صحن مرمر..
اليوم التالي استيقظ البرمكي مع شروق الشمس.. تلكأ في مخدعه وضع يديه على رأسه
ضاغطاً.. يريد منع سحابه الصداع.. أتى كبير الخدم بوعاء وفوطه.. ارتدى ملابسه وضع
عمامته فوق رأسه..
مرّ بمخدعها.. وجدها مستيقظة ساهمة.. ابتسم وقال : ما بك عزيزتي ؟!
اشعر بكآبة.. سيدي (يحي) بالله عليك ألا تغادر اليوم رأيت كابوساً في منامي !..
عاود الابتسام مستخفّاً بما سمع وقال :
- انه اجتماع مهم بأمير المؤمنين يا
عزيزتي !..
نظرت وراءه وهو يغادر عتبات القصر..
ازداد انقباض قلبها وخفقانه.. زاده نعيق غراب يطارد غراباً آخر !..
لا تعرف كم مرّ من الوقت.. نبهتها
طرقات الباب المتتالية.. كانت الخادمة :
- سيدتي دنانير.. سيدتي دنانير..
ذُبِحَ كل البرامكة.. ذبحهم أمير المؤمنين !..
أولهم سيدي يحي !.. لم تتحمّل ما سمعت
!.. سقطت مغشياً عليها !.. أيام وهي تهذي باسمه ليلاً ونهاراً..
مع الوقت انحسرت الحمى.. أصبحت
رهينة المواجع والفاجعة.. ليالي.. شهور أنيسها اللحّن.. والوتر.. والحزن.. فجأة
نظرت نحو القمر المكّلل..
تمتمت : أقسم ألا أمسّ عوداً
ما حييت !.. وا.. لِتقبرُ أيها القلب المعطوب السيئ الطالع !!..
وفي ليلة دعاها الرشيد
للغناء.. بكبرياء رفضت !.. أخذوها عنوةً.. وقفت أمامه : أحست أن لا شيء بالدنيا
تخسره !.. قالت : أمير المؤمنين لن اغني ما حييت بعد موت سيدي يحي !..
- عضّ على نواجذه.. صفعة أولى
ألحقها بأخرى.. سموم الفتنة تسري في دمه.. اكرهها على العزف.. أجهشت وناحت بقلبها
الكسير..
يا دار سلمى بنازح السند... بين الثنايا ومسقط اللبد
لم رأيت الديار قد دُرست... أيقنت أن النعيم لم يعد
من يومها لم يضايقها أمير المؤمنين هارون الرشيد وأمر برعايتها ما عاشت !..
ــــــــــــــــ
·
رفضت الزواج بعد نكبة البرامكة إلى ان وافاها الأجل.
·
لم تكتف بالتغنّي والعزف، سمت إلى مقام التأليف والتصنيف.
·
جمعت خلاصة الأغاني من أساتذتها أعلام العصر : ابراهيم الموصلي وإسحاق.
·
للأسف ضاع هذا الأثر الفني ( دنانير ثروة وكنز ).