
( قد لا ندري أنّ بالصحراء ووسط الكثبان الرمليّة المخيفة واحة وارفة ظليلة مياهها
سلسبيل قريبة منّا و لا نراها، بعد فوات الأوان نجد أن الرياح و العواصف و الرمال
قد غطتّها )
الكاتب
( سكبت ذاتي حتى غدوت مجرّد سمكة تطفو على سطح المياه ممتلئة الأعماق بالهواء
والموت )
الراحل خليفة الفاخري
أنزلناك من على صهوة جوادك، وفى عزّ عطائك، أركبناك " سلحفاة قميئة، مريضة،
مهترئة الصدفة " ثم أخدنا جرابك وبعثرنا ما به من حبات التمر وكمشه القمح وغصن
الزيتون. أوحينا لك بالمستقبل، أحطناك بالمتحذلقين وشيوخ السوء، كسّرنا سيفك،
وأكلنا حصانك، وحلينا ببقايا تمرك. ومن ثمّ أقعدناك عنوة ( لتبيع الريح للمراكب)،
تركناك لتغرق في نهر غربتك، رفعنا خبائك للعصف والغبار ورياح" القبلي".
حاولت أن تكون شيئا، التهمت الورق المحبّر لأجلنا... حلمت لنا أحلاما وردّيه، رسمت
لنا بماء الذهب مستقبلا...أسكنتنا قلبك، أحسست بمشاعرنا، استوطنا حتى خيالك. زرتنا
أطيافا ورؤى، حادثتنا أوهاما وخيالات، كنت لنا، ولم تكن لنفسك.
رجعنا لمناكدتك، نصبنا الفخاخ في دروبك، لوثنا مياه (نهر غربتك) أغرقنا كل (مراكبك
ومرافئك )، زرعنا الحنظل في طعامك، سممنا دمك بالتفاهات والشعر الرخيص.
ابتسمت لتضفى فرحا لنا، لطمناك، ركعت لتزيل أحجاراً وأشواكاً من طريقنا ركلناك،
كتبت لنا كسّرنا أقلامك، سفهّنا عقلك، حاولت النطق بإسمنا أصطلمنا لسانك.).
أدخلنا في عقلك إنك ( دودة في إحدى خرب " بنغازي" وفيما طفقت تتلوّى باحثاً عن ثغرة
عبر ركام الأقذار كانت الطيور تصفّق بأجنحتها طوال الوقت في الأعالي فوقك مباشرة
شطر الأرض وتهوى بمناقيرها الحادّة نحوك حتى تظل تتلوى ألف مرة من الذعر وتدفن نفسك
فوراً في محاولة بائسة للبقاء في أحد الثقوب إلى أن تسمع أجنحتها تصفّق مرّة أخرى
صوب السماء، كنت قد سئمت تماما زحفك خلال الإعشاب البرية وصحبة الديدان المطفأة
العيون أسفل أسوار المقابر وعفن عيون الموتى. والبحث عن القوت في فضلات الآخرين
والفزع الرهيب حين انهمار المطر ومرأى الطيور القاتلة ثم نحن من مسخك إلى فأر، جسدك
الدودي اكتسب أخيرا فراءً رماديا ناعما، واشرأبت في رأسك أذنان كبيرتان واكتظ فمك
بالأنياب وأصبحت في لحظة بمشاعر الذهول فأرا.. فأرا حقيقيا لاشك فيه !..
حكايتك عجيبة، وفيما كانت بقية الفئران تلهث خلف الفتات المتساقط عند الموائد
كنت تتسلى بالتمرّغ في الورق كنت تقرض الكتب والشعر وتنظر إلى كل الفخاخ المزروعة
على طول الطريق وبينما الفخاخ تنهش إقدامك دون انقطاع كنت لاتزال تحمل في قلبك كل
العناد والإصرار.
ولقد ولجت كل الأقبية وذرعت كل الأرصفة وتعرفت على كثير من الوجوه الطيبّة والرديئة
على السواء ونمت في كل مكان،وأخذت كفايتك من كل شيء، تشاجرت مع الآخرين حتى أمتلا
جسدك بالندوب وسقطت في المصائد الكريهة كثيرا.
وقالوا عنك إنك( فأر أحمق ثم زرع فوق ظهرك جناحان وأصبحت عبر لحظة موغلة
بالذهول، مجرّد خفّاش – خفّاش يطير على غير هدى. وفيما يهبط المساء وتكتسى
السموات بشحوب غامق تهجر تلك الشجرة، وتطير بقلق وذعر خلال أزقة المدينة ليشرع
الصغار في مطاردتك وموالون قذفك بقبعاتهم وصياحهم المفزع، كنت مغلق العينيين
واستطعت مرارا أن ترى وجه الموت الكريه وهو يتنفس عند أنفك مباشرة حيث كنت تهوى على
أثر إحدى الضربات الموجعة ولكن يبدو انك غير قابل للموت كنا رفاقك نداهنك ونضحك
وننعتك "بالفأر الطائر")
أيام وشهور و سنوات حياتك :
كل ليله نسمعك، أحيانا تصرخ وأخرى تهمس، ثم تهذى حتى خلال نومك : حين يشرع الله
في تعذيب مخلوق ما فإنه التأكيد ينزع عنه فضيلة الرضا، أعنى القناعة ويدعه يلهث عند
سفح الجبل محموما بينما عيناه تتطلعان باتصال صوب القمة الذهبية المتألقة في وجه
الشمس، سئمت مناكدة الصغار ودعاباتهم السمجة مثلما سئمت تلك الأجنحة المصنوعة من
ورق التبغ المحترق، والنوم بالمقلوب والعيون المعلقّة والهروب من القبعات المارقة.
في سعينا الدؤوب نتنصّت وأنت تهمس في أذن رفاقك* : العمامى و الكبتي والماقنى :
أحرق لفافاتي رانياً إلى السقف الذي لا أراه ! وفيما أنفض رمادها أكون قد نفضت عنى
كل متاعب اليوم. كل الحماقات الصغيرة وإساءات الآخرين إلى ، كل أحقاد السنين
الماضية وخيبة العمر في كثير من الأحيان، الجوع والجري في كل الاتجاهات، والتسول من
أجل كلمة طيبة، والبكاء بلا دموع على أرصفة العالم عبر الجليد اننى أنفض قلبي مثل
منديل أبيض مبلّل إلى أن تختفي من ساحته غابة التجاعيد، وأعدم بقية لفافتي الأخيرة
وأشرع في أن أنام.)
محاولاتك اليائسة للتمرًَد والوقوف عكس التيّار
في بلادنا العربية المتزنة جدا إلى حد الموت ماذا تجدي الكلمات النّابضة المد التي
بحّ صوتها فوق الجباه الصلدة في المقاهي وعبر الأرصفة الميتة و الساحات المتثائبة
والمقابر المليئة بحزم الصبار والقمامة والكلاب الضالة.
ماذا تجدي الكلمات ؟في بلادنا المغمضة العينيين في إصرار المكتظة بأكواخ الصفيح
وآلاف الأزقة الموصدة في وجه الرواد والأطفال العراة المتّسخين أبدا والمستنقعات.
ماذا تجدي الكلمات ؟في بلادنا التي يكتسحها هذا الطوفان الكريه من الأناشيد الهزيلة
والاغانى الذليلة الفجّة والمسرحيات البلهاء وباعة الحروف المحنطة في أسواق الصحف
المصفرة الوجوه، وتجار الكلام الفخم المثقوب في السياسة والفلسفة وإباحة الخمور :
أدركت ذات يوم إن الكلمات الجيّدة قادرة على الرؤية عبر الليل مثل عيون القطط
تماما. لكن كلماتك لم يكن في وسعها أبدا أن ترى أيما شيء لقد بقيت رغم عنايتك
الفائقة في نسجها مجرد حروف قبيحة ممتلئة بالنزق مثل براغيث حمقى وتعين عليك أن
تغتالها فوق مقصلة أظافرك، أن تقصعها بكل مشاعر الخيبة والمرارة./.
وتوالت كتاباتك... وصفحاتك المحبرة، متبرماً فزعاً مشدوهاً..وتوالى موتك شيئا فشيئا
إلى أن سكبت ذاتك كلها وفيما كنت ترى ذلك يحدث أمام عينيك، غدوت في النهاية مجرد
سمكة تطفو على سطح المياه ممتلئة الأعماق بالهواء و الموت..
مدينتي المتسخة بها عشرة مقابر... ومستنقعات معشّبة...وألف زقاق. لقد تمنيت طول
الوقت أن تجد ثغرة في جدار زنزانتك الصلدة...وأهرقت أحلامك إلى أقصى مدى..وتخيلت
حزمة الضوء تنثال في عينيك مباشرة من الثقب الموارب هناك.. وتخيلت كيف تعانقه
أهدابك.
وقد ضللت تذرع الطرقات بحثا عن فتاة ودودة، ذات ثغر مشرق على الدوام. كنت تود لو
تزرعها في حبتي عينيك ثم تسدل أجفانك عليها حين المساء، وتبقى تمسد في قلبك شعرها
المنساب مثل شلاّل.ثم تعلمت الانتظار على تلك الناصية – عند المدرسة – حتى إذا خرجت
الفتيات من هناك مثل دفقه عبير اشرأب عنقك مثل إوزة محلّقة بحثاً عن تلك العينين
العسليتين.
لم يكن أحد سواك يعرف ذلك، وكنت تتظاهر أمام المارّة بأنك مجرد عابر سبيل ليس غير،
ولكن تلك النظرات المتلصصة لأصحاب الدكاكين والمقاهي كانت تسمع بوضوح خفقات قلبك
الحادة، وتضحك بسخرية، ولكنك لم تكن قادرا قط أن تتخلى عن خطواتها كل يوم.ووقعت في
أولى الفخاخ حين اعتقدت أنها تحبك... لقد اقتربت منها بجهد بالغ على الرصيف وهمست
لها متلعثما بإحدى الكلمات الدافئة، كان قلبك يكاد ينفلت من حلقك حينذاك- غير أنها
التفتت إليك بحماقة وقالت على الفور " عدى ياصايع"./.
الهروب بابتسامتك الباهتة وراء الأفق.
لقد أفرغت عاما كاملا تترقب إجازتك. ثم جمعت بضعة ديون وفررت إلى ( مونت كارلو
) إلى أضوائه الوردية اليانعة، ولقيت جموع الليبيين هناك، كان ذلك فى البداية.
ثم عرفت الاريزونا، والجولف، ورمسيس والبالميرا، وبددت على الموائد المعتمة كل
قطرات عرقك و ديونك وكنت تتمنى لو تتوقف عند نقطة ما... ولكنك رحلت في العام التالي
إلى (بيريوس) بأثينا، وأخذت تستمتع بالاغانى التي لم تكن تعرف ماذا تعنى !!
وحين عدت إلى بنغازي، كان قلبك منقبضا مثل ورقة مكومة مجعّدة وظل في وسعك مرة أخرى
إن ترى أكواخ الصفيح والمستنقعات والمقابر العشر وحقول الصبّار والأزقة والمقاهي
الشاحبة المكتئبة على أكتاف الطرق والأتربة... وتذكرت على نحو مفاجئ بأنه ليس لديك
ناي.
كنت تحاول أن تتعلم النّاي وسمعناك تقول:أن أدع أصابعي ترفرف على الثقوب بإتقان
بالغ إلى حد تنبثق فيه أمامي إحدى الجنيّات الفاتنات على نحو ساحر وتدعوني إلى لحظة
انعتاق مذهلة كنت أتوقف أحيانا لالتقط انفاسى متطلعا بحزن إلى تلك الماسورة
الخرقاء،
وما إن يذرع اليأس قلبي مثل خيمة موغلة في السواد حتى أتذكر ذلك الصديق الذي أستطاع
بمفرده أن يجيد العزف على الكمنجة خلال أربع سنوات فقط...وعندئذ أرصف أصابعي على
الثقوب وأفرغ كل انفاسى من جديد إلى أن تأتى العجوز صائحة فى وجهي
:
( قلت لك ألف مرّة كف عن هذا الصفير حتى لاتجمع علينا الشياطين يكفى أنت ).
أجتّاحنى اليأس مرة أخرى حين أصبح صديقي – عازف الكمان – مجرد سكيّر سئ
ألسمعه إذ أنشأ يتنقل من عرس إلى أخر، ويعزف ويسكر هناك إلى أن ظلّ القوس ينزلق
منه فوق الأوتار في صوت مزعج دون أن يدرى، حتى إذا طلبوا منه التوقف عن العزف، ألبس
ألته لرأس أحد الرواد.
وعن الزواج الشرقي....
الزواج لدينا مجرد قمار. قمار يعتمد على مدى مايتحمله المرء من إذلال وابتزاز،
فيما تواجهه مثل حبل المشنقة الديون المتبقية على كتفيه كلما شعر ببركان يغلى في
أعماقه. ثم يأتي الأطفال تباعا ويوثقون يديه وشفتيه بالأغلال.
وعن الجهل و المرأة....
أنت متكاملة وتساوين وزنك ذهبا، لكنك في الواقع لست سوى وعاء من الفخار...وعاء
منتصب فوق مائدة البيت بلا ذوق... وعاء معبأ بالمعلومات المحنطة... وعاء معروض
للبيع... ومعرّض للكسر في أية لحظه.
يجلس والدك المفزع أمام دكانه طوال النهار يتحدث.. ثم يغلق دكانه بعد أن يملا
المكان ببصاق المضغة ليرجع إلى البيت، ويمارس طرد الخطّاب الفقراء بعد أن يستفتى
والدتك العجوز المرابية..ذات العينيين الجشعتين مثل الجحيم./.
قرأنا ما كتبت على جدار زنزانتك الرطبة..
لقد حجب الله سماواته بجناحي غراب هائل، لم يعد لدىّ سوى قشور الكلمات ألسبعه
والتثاؤب بعد ما أكل قلبي الضجر، والمقاهي ، والأحاديث البليدة والاغانى الفجة،
وتوديع الرفاق وتلك المصلحة العتيقة، ومطالبات العجوز الملحّة بأن أتزوج، و أقبية
جليانة والحزن
فيا الهي أهطل على مطرا يغسل صدأ القلب أو أعطني تذكرة إلى عالم أخر نابض المد
حتى في قاع السعّير./.
قصاصات ورق صفراء
سيدي الشيخ :
تمتد في مدينة بنغازي القميئة عشر مقابر بالضبط، مقابر متآكلة قديمة ممتلئة
بالقمامة والإعشاب البرية والكلاب والعظام العارية والأطفال اللذين يمرحون هناك
طوال النهار:
ولقد أراد المسئولون ذات يوم أن يزيلوا إحدى هذه المقابر الرابضة في وسط المدينة.
كانت مستلقية هناك مثل دمل متخم في وجه المدينة، ولكن ما إن شرع في العمل حتى زعمت
إحدى العائلات بأنها كانت تملك من قبل أرض المقبرة وإنها يجب إن تمنح تعويضا نظير
ذلك
واصدر المسئولون امرأ بإيقاف الحفر على الفور وحمل العمال أدواتهم وذهبوا للتسلي
بأعداد الشاي،
وأغلقت المقبرة من جديد.
وذرعتها في الليلة التالية آلاف الأشباح كالعادة ودلفت من فوق جدارها عشرات الجرادل
من القمامة في النهار فيما طفق الصبية يعدون خلف بعضهم خلال القبور المتهرئة حتى
إذا أقبل المساء تسللت ساحرة عجوز عبر النباتات الشائكة ودفنت شيئا ما في قبر عتيق.
كشف النقاب..
سيدي الشيخ :
أنا ولد سئ الطالع...
وقد كنت أملك أسنانا وأظافر حادة وقدرة مذهله على تكوين الأعداء الصغارفى كل
شوارع المدينة وصنع (المقاليع) ونصب الفخاخ للطيور اليائسة ولعن الأشياء المقدسة
وإجادة الصراخ وقت الحاجة.
ليس ثمة شئ لم أكن أعرفه.
بما في ذلك كل أنواع الدود ى الخرب المتعفنة والكلمات القبيحة وحكايات ( حميدة بنت
السلطان ) وسرقة السجائر من البيت والبيض الدافئ في قن الدجاج. (ما عدا أيام الخميس
إذ كانت العجوز تستعمل بيضة الخميس في العلاج من كل الإمراض).
ورغم أنني كنت استطيع أن افعل اى شئ بطريقة أو بأخرى ، غير إنني لم أجرؤ قط على
تخطى أية بالوعة أو دلق الماء عليها بالليل إذ أنها كما يقولون مليئة بالعفاريت و
الشياطين والجان وان عملا مثل ذلك سوف يجعلني فريسة سهلة لاى جن أحمق.كان ذلك حقيقة
!!
ولقد مس احدهم جارتنا الصغيرة ذات يوم وأخذت بالتالي تمزق ملابسها وتنزع جدائل
شعرها الجميل وتضرب والدتها العجوز بحقد بالغ.
كانت فاتنة جدا...
وكان الجن سيئ النيّات بالتأكيد !
غير أنهم – ياسيدى - فزعوا إليك أخيرا واستجدوك إن تخلص – ببركتك – تلك الفتاة
التعسة، وطلبت عشرين جنيها على الفور.
وحينما أتيت كان وقارك في إمكانه إن يجعل قرون كل الجان تتهدل فى هيبة وخجل، وعلى
أية حال فقد جلست بجانبها وطفقت تتلوا كثيرا من الكلمات الغامضة متطلعا بعين واحدة
مثل ديك إلى قميصها الممزق وشعرها المتناثر، ثم طلبت من الآخرين أن ينتظروك خارج
الغرفة ريثما يتم قهر الجن ابن الزانية !
ذلك شيء لم أكن لاستطيع إن افعله : اعني تخطى البالوعات المتربصة مثل مصائد
الفئران، وكذلك ضرب القطط السوداء بالليل والقسم( بالربعة ) كذبا !!
وياسيدى الشيخ :
أن الدين كما يقول الإمام الغزالي – ( بما نعمل لا بما نعلم ) – وأنت قد قتلتك
التخمة والنعاس وتصيد أخطاء الفقراء، ومنح لقب ( ملحد ) لكل من يزعج نعاسك وإعطاء
التذاكر إلى الجحيم بدون عودة ومدح الخليفة والأمير وتحين الفرص لتلاوة القرآن في
الديوان الملكي.
أنت لانفعل شيئا غير ذلك ! فماذا ستقول لأطفالنا غدا ؟ ماذا سنحكى لهم عنك ؟
فروضة الأطفال التي قال عنها ذات يوم احد المدرسين الكبار : ( أنها منصة
لإطلاق الصواريخ ) تظل لدينا مجرد قبو ملئ بالضوضاء والضجيج وليس ثمة جدوى من
إنشائها مطلقا فيما يواجه الطفل في أيام دراسته الأولى عصا المدرس الملتهب العينيين
الذي لا يحمل في
رأسه عادة سوى ورقة الشهادة الإعدادية وفكرة عدائية تجاه الأطفال باعتبارهم
مخلوقات مزعجة وفى الوقت الذي تنتصب فيه مدينة ( ديزنى) للأطفال في طرف العالم
الأخر يظل من العار في مدينتنا إن يتحدث الطفل أمام الكبار.
أنه يظل يرمقهم في صمت ذليل فيما تختبئ في قاع عينيه ألاف الأشياء النزقة، وإذا
يتحسس أثار عصا المدرس فوق كفيه ويتحين ألفرصه للانعتاق إلى الشارع عندئذ كل ما في
أعماقه قطعه فحم ويتنفس على الجدران كلمات مخجلة، على حين تمتلئ أيضا جدران دورات
المياه في المدارس بنفس الكلمات. فمن يتذكر الأطفال ؟
ولكن أحداً لم يكن يرغب في أن ينصت إلي حتى بدا الأمر كمن ( يبيع الريح للمراكب ).
الغارقة ؟
لقد انفضّوا وغادروا..
وعندئذ ظللت اصرخ واصرخ إلى أن انفجرت رئتاي وقيل لي اننى مجرد طائر سيئ السمع
والطالع، اعني مثل غراب تماما.
لمحه عنه :
خليفة محمد الفاخري.
مواليد 1942 بنغازي _ليبيا
مجالات الكتابة: القصة – المقالة
المؤهلات : دبلوم أدب انجليزي من جامعه كامبردج / بريطانيا -- مارس الخط العربي
والنحت
توفى فى2001.6.6 أثر جلطة دماغية حادة.
إصدارات:
موسم الحكايات _ 1974 دار الجماهيرية للنشر و التوزيع
غربه النهر _ 1994
دار الجماهيرية للنشر و التوزيع
بيع الريح للمراكب _1994
دار الجماهيرية للنشر و التوزيع
المراجع:
1.
أحمد الماقني/ خليفة الفاخري / دراسة
2.
منال يوسف رويحه/ شيء من توظيف الرمز عند خليفة الفاخري / الإنترنت.