قصة قصيرة

اختلجت مقلتــاه المهلـّلة بالسّواد بوجه شاحب يتـلوّي حنقـــاً..مصـدّراً فحيحاً
متتابعاً:
أريد أن أنــام..أرتاح..أرقـــد كبقيـــّة الخلـق..!
وعلي ضوء الأباجورة الذهبيّــة.. ذات البلـّورة الكريستال.. ألتمعت أثــلام
تجعــّداتــه بالخزي والضعف
أرتشف جــرعة من قنّينة الميـاه.. صاحبها ابتلاعه لحبـّات الدواء..آملا أن تعينه
علي الرّقـاد الجـّافل..تقلـّب فـوق مخدعه ساحبــاً الملاءة إثـره..زمن من
السّهاد.. تألقت برأسه فكــرة : المخــدّة الأخرى.. أفضل حالاً من هذه الوسادة
والتي مسّدها.. غير الرّقاد..والتوّسـد.
وما إن بدّلها.. حتىّ تبيـّن أنـّها ليست أفضل ولا أحــنُّ عليــه من الأولي.. بنفس
ودك العرق ورائحة الأنفاس.. وملطــّخة بالأصباغ وأحمر الشّفــاه الحديث العهد..!
دخلــت بفيه شعرة متلـــوّية تفوح بكريم معطــّر..بغتــة ثبت نظره في المرآة
المقابلــة.. بانت سحنته الشــّاحبة بظلال تجاعيده الغائرة..!
صاح فزعاً..ملوّعا : يا إلهي أمست هيئتي..( كبومة برُّ التّرك)..تنهـّد..وبحسرة
كادت أن تمزّق قلبه..!
وبالـرّغم من هواء التكييف الزّاف من حوله بريح دبقة باردة..حــرُّ أصطلي
جوفه..وكأن شمس الظهيرة بزغت ليلا..!
تسيـّل عرق جبينه.. كخرقة عُصرت بعد بلل...!
عاودته ذكري ما قاله له الطبيب: عن قلبه العليل النـّبضات.. وضرورة الرّاحة..
والنـّوم العميق الوصفة الطبيّة من الطبيب الأحمق.. التي أترعت واتخمت أكياساً من
الزّجاجات والأقراص... وأثقلت كاهله.. وكلّ شهرٍ..وأنقصت الكثير من مخزون حــرّ
ماله..!
تصدّي هاتف بداخله : آه.. لو تكتمل البناية والمزرعة الثانية..لسافرتُ خارج البلاد
للفسحة والنـّقاهة.. والعـلاج..!
أزداد توجّعـــه.. صراع طارده بلا هوادة لِصوَر وأطياف.. تصرخ وتشنج ببكاء مكتوم
مكلوم.. وخرت رَاكِعـَـةً..رافعة أياديها نحو السماء.. تبتهل بهلاكـه
ممن ظلمهم.. وسلبـهم أرضـهم..وحقوقهم وحتىّ أبكارهم.. عقّب بصوت مُئِـق :
الملاعين..الكسالى..الرّعاع يحسدونني حياتي.. الدّنيا شطارة.. واقتناص فرص..!
جلسَ بإعيــاء.. أنَّ..أنات متقطــّعة.. تبعها بسعال جاف قاربه من النّزع.. مـدَّ
يـَدِه إلى وسط صَدره النـّافـِث كمريض ربــوٍ.. إلى مكان الحـُرقــة والألــم..
تشنـّجت الكفّ بالــهواء.. وقبل أن تصل هدفها..!
تهاوي من فوق الفـراش..حاول النّهوض.. متحاملاً وهنـه.. وثقل بدنه..!..أنحني..ركع
علي ركبتيه وجبهته علي أرضيّة السّجادة..بغتة أطلق صرخة حادّة مدوّية..شقـّت بهيم
اللـّيل الخامد كَعواء جرو أصيب بطلق ناري..!
أنطرح على سّجادة الصّالة الواسعة.. تمدّد علي جنبه مباعدا يديه المُرتعشة
المتـوهّنة.. أنقلب علي ظهره..وأبعد مابين كراعيه المترافـّين.. شخـّص بعيون جاحظة
للسّقف الدائر من حوله كدولاب...!
ثم
بدا ما حوله يخفـُت ويسكن.. وتغمره غُيوم رماديّة وسوداء..خيـّم صمت ثقيل..إلاّ من
شهقاته المغرغرة وزفراته المصفـّرة......لم يعد يَسمع..أو يحسّ إلاّ بهبــّات ريح
ساخنة لاسعه تلفحه.. وكأنــّها لظى أتــون مـتأجـّج.. فقد فـُتـِحَ له باب من أبواب
جهنـّم.