قريباً من السطح بدأت صورة القاع الرملي تختفي وتظهر حسب أمواج المد والجزر، وقد
تناثرت صخور بنّية احتضنت أعشاباً تتمايل شديدة الخضرة، انعكست ظلال اخترقت حزمة
الضوء.
أطلت كائنات القاع المذعورة رأت البطون البيضاء ذات الأنوف المدببة والأفواه
الوردية، تنساب بتناغم محدثة فقاعات هوائية تتمزق بمجرد وصولها للسطح.. تلج المياه
بقفزات , تستعرض مهاراتها في السباحة والغوص تشاهدها مخلوقات البر والبحر
الصغير ذو اللون الرمادي الداكن أكثر الضلال الخمسة استمتاعاً بهذه القفزات يصدر
أصواتاً رقيقة متتالية تعبيراً عن حبوره، كل هذا لم يسعد سكان القاع.
امتعض الإخطبوط العجوز ذو الأذرع الثمانية وهو ينظر إليها بعينيه السوداويتين أعلى
جسمه الرخو قال :
أنها تمتلك القاع والسطح.... عبور هذه البطون البيضاء فوق رؤوسنا أمر مثير للقلق.
هوي الصغير نحوه مثل حربون طائش..... اختفى العجوز البارع وراء سحابة من الحبر
الأسود الداكن.
واصلت الأجسام الخمسة الرمادية السباحة، تشق الماء كزوارق، بتباطؤ وبسرعة عالية
أحياناً.
النظر متجه للصغير اللعوب، الغض عن أهوال الدنيا...
تغير مسار الأنثى، أصدرت تحذيراً متتابعاً، اتضح الخطر.... مجموعة أسماك (( التراخن
المنقطة ))[1]
بأحجام مختلفة، تنظر بخبث وزهو نحو الأجسام الرمادية المذعورة.
واصلت التراخن المنقطة القاتلة سباحتها في هوينة، لا أحد يجرؤ أو يقترب من أشواك
سوداء سامة مزروعة خلف الرأس، الأنثى في الأمام والأربعة خلفها قفزات بهلوانية
حبّية استعراضية.
انعدام الثقة بالصغير اللعوب، غافلهم غاص للقاع، فزعت (الشلبة الذهبية )[2]
تفرقت مذعورة.
بين الأعشاب الخضراء المتمايلة، فوجئت سمكة ( العضّاض )
[3]وهي تقتات بهجوم العدو المباغت تفادت الفم المفتوح وبحركة لولبية
غرزت أنيابها الأربعة في الجهة اليمنى من رأس الصغير، وولت هاربة، ارتعش جسمه آلماً
غاصت الأنثى نحوه بسرعة، صعدت معه وهي تنظر للثقوب الأربعة المنبثق منها دم احمر.
تكونت دوائر من المياه يزداد أتساعهاً كلما ابتعدت عن المركز مع حركة الأجسام
الرمادية، اشترك الأب في عقاب الصغير المشاكس بضربه من انفه المدبب على رأسه أعقبته
لمسه من الأنف الأنثوي مع نظرة لوم وعتاب للذكر السابح،الذي لا ير إلا الدرب
والهدف، ككل ذكور الدنيا
رغم شعوره بالاطمئنان، إلا أن حدقتاه كانت تدوران في كل الاتجاهات، للبحث عن
مغامرة.
التنبيه هذه المرة أتى من الذكر.. أصدر نغماً متتالياً وسريعاً غاص، مرور سفينة
دوي محركها يسمع على بُعد ذات مروحة نحاسية تدور بالرغوة البيضاء.
رجعت الضلال الخمسة إلى السطح بدأ القفز ثلاثة بالماء مقابل اثنان بالهواء، لم يسمع
صوت الصغير مناداة في كل الاتجاهات، فجأة خرج من الماء بفمه (حبار[4])
ينتقض.
بدأت الريح تهدأ والأمواج تقل سرعتها رويداً، الرحلة صعبة، والمئونة ليس لها وجود
إلى الآن ولا يأس.
في
القاع سفينة قديمة مهترئة، اتخذتها والكائنات البحرية ملاذاً.
دار الخـمـسة دورة سـريعة على الجهة الجنوبية للسفينة المظلمة اتجهوا شمالاً وراء
ضالتـهم مجـمـوعة من أسـماك ( الأنشوجة )، بدأ تلوك الأسنان للحم الطريّ الأبيض زاد
الرحلة.
صعود، تقارب أكثر للأجسام الرمادية، الغوص هذه المرة له تخصص، بحيث أصبحت أسماك (
الأنشوجة )[5]
بعددها الهائل، محاطة من الخمسة، ومن هول ما رأت سبحت مستسلمة ناحية الاتجاه
المرسوم الشاطئ الدافئ، وهي تعرف أنها الزاد لحين الوصول، تتابعت الرحلة بوجود
الأسرى الصغير اللعوب في معاكسة خـصمه الضعيف.
الوقت... غروب، وسط المياه الزرقاء وفي المواجهة تماماً جسم يسبح ناحيتهم، بعينين
شرهتين، زعنفة في الوسط تخترق لجة المياه الزرقاء وآخرين على الجانبين فم تحت رأس
مليء بالأسنان، قرش من فصيلة ( الماكو )[6]
عصبيته واضحة فهو لم يتحصل على ما يأكل، دورتان، والثالثة هاجم علقت بفمه سمكة
والثانية طفت نازفة، دفاع من قبل الدلافين الأربعة وفي وقت واحد ضرب مباشر على
الخياشيم الفضية، انتفض من الألم سبح هارباً ومذعوراً، مفضلاً مبدأ السلامة.
خيم الظلام، صوت مناداة للصغير، أتى مسرعاً والسمكة النافقة بفمه...
بودلت النظرات... سبح الجميع بنفس التشكيل.
اليوم التالي، الجو صحو، والسماء صافية، الشمس بأشعتها الذهبية تنير القاع، الرحلة
في تواصل وقرب نهاية المهمة.
الشاطئ البعيد بصخوره البنّية المرتفعة، وأسماك الأنشوجة في القاع، قطيع أغنام داخل
زريبة... لحين التزاوج فالمؤونة تكفى، مشدودي الأنظار للأسماك خوفاً من هروبها،
وبالتفاته صوب الصخور العالية... أجساماً تتحرك في البر، احدهم يرمي بجسم غريب، وقع
بالقرب من الصغير المشاكس تخرج منه فقاعات، لم يحتمل الصغير متعة النظر، تبع الجسم
غطسا...ثم دوي صوت انفجار، صعدت المياه كنافورة، مختلطة برمال وأعشاب القاع... تحول
المكان إلى اسماك نافقة طافية بيضاء اللون.
وعلى صخور الشاطئ عمل مستمر، من يجلب الجوالات، وآخرون يخلعون ملابسهم استعداد
للسباحة، مع صراخ يشبه الزغاريد.
علامة الانتصار.. وأنه يوم طيب ومشهود.
ــــــــــــــــــ
[1]
التراخن المنقــّطة : نوع من الأسماك السامة اسمها العلمي (تركينس ارينوس ).
[2]
الشـلبـة الذهبّية : سمكة موجودة بشواطئ البحر المتوسط ذهبية اللون تسبب لمن يأكلها
بكثرة الكوابيس الليلية.
[3]
العــضـّاض : اسمها العلمي دنتكس توجد في البحر المتوسط بالجهة الغربية تسمى (
دندشي ) القط و الشرقية تنتون.
[4]
الحــبّـــار : باللهجة العامية ( السيبيا )، حيوان غضروفي ( السبيدج ) مفيد كغذاء
وشهي الطعم، وأيضاً من أفضل استعمالاته طعم للأسماك.