
ليلة ممطرة شكّلت غدراناً تعكس الضوء، بجــوار دار ( صندق )
من عتاد عسكر الحلفاء.. يُسمــع
صوت المزلاج وهو يُفتح من باب وسط الدار، ُصنع من قطع أخشاب وزنك له صرير عند
الفتح !!!
صباحـاً.. تباشير الشــروق، أحد الأيام الربيعـية.. نسيم يعبق المــــكان برائحة
نبات الشيح و ( القميلة ).
فُتح الباب بصريره.. أول الخارجين عنزة سوداء، اشرأبّت.. للتأكد من أنهَّا تحصلت
على حريتَّها.. قفزت إلى الخارج وصدى مأمأتها يعلو في الحي الهاديء، الذي سُكانَّه
نياماً.. وراءها وليدها (جديٌ منقّط) تبدو عليه علامات العافية والزهو.. مأمأ..
تقافز.. وراء أمه.. رافعا ذيله القصير مع ارتعاشة متتالية.
بانت امرأة طاعنة نحيفة بوجه سطر الزمن على صفحاته أخاديد تنمّ على أن صاحبته عاشت
دنياها كرٍّّ وفرّ.
بكفين معروقتين أمسكت بحافة الباب.. تساعد جسمها الواهن، جالت النظر.. علّها ترى
ابن الجيران ليأتي برغيف الخبز اليتيم اليومي.. قررَّت الذهاب وبدون مساعدة!!
خطوة كاملة.. نصف خطوه مع ميل الجسم النحيف ناحية نصف الخطوة، (إصابة برجلها
اليسرى) أيام الصبَّا إثر لغم ايطالي أودى بأختيها ونجت هي.. كُتب لها عمرٌ جديد.
توالت الخطوةٌ الكاملة..ونصف الخطوه..الطين يعلق بالأقدام النحيفة المعروقة.
وصلت الدكان، دفعت ثمن الرغيف، رجعت.. متفاديه برك المياه ذات العذوبة الزبديّة،
نظرت إلى النوافذ المغلقة.. همهمت بصوت مبحوح : ( نوم.. نوم.. متريّحين متهنيين )
!!.
أغلقت الباب.. بالدار سرير، وكرسي عتيــق.. و( صندوق بو رنّة ).. وعلى الأرض موقـد
نحاسي( وابور) يعمل بالكيروسين.
تقرفصت.. أمسكت الموقد بكفيها الاثنتين.. قرّبته من وجهها.. حركتـــه.. تتنصت هل
يحوي كيروسين ؟.
وضعته على الأرض.. بأصــابع كفّها ضغطـــت على المقبض.. والثانية تساند من الجهة
المقابلة، انبثقت زخّات الكيروسين من أعلى.. توقفت.. أشعلت عود ثقاب.. وضعت شعلته
في حوض الكيروسين الدائري الصغير، اشتعلت نار في البداية واهية.. ثم أصبحت هاله
مضيئة..عدّة دفعات للمقبض.. صدر صوت تعرفه.. (الوابور) بدأ في تأدية دوره على الوجه
الأكمل !!
تمت العملية بهدوء.... وصلت معدتها الخاوية لقيمات خبز.. ورشفات شاي.
وقفت في وسط الدار.. بصعوبة.. فألام الظهر كانت من ضمن من رافقها سنوات عمرها
الطوال، خطوة كاملة.. ونصف الخطوة.. مع اتكاء الجسد ناحية نصف الخطوة، خارج الدار،
نفس المكان على صفيحة.. جلست تطلب الدفء.. انسابت ذكريات ولّت!!
ذكرى باهتة عن ابن العم (صالح)، أيام الرعي والكلأ، (واللسلس والشقارة ) والعمر
ربيع، العشق.. وصوب خليل، المواعيد المختلسة.. خفقان القلب الواجف ( نشفان الريق
)على حد تعبيرها، زمّت شفتيها.. همهمت : دنيا ( اللي يعيش واجد.. ينظر واجد ).
استطردت بصوت مرتجف (اتقول ضالة معطان اتريض في عزيز اوتلتغب ).
فهي لا تعلم عن صالح شيئاً.. ( الحياة مركوب القوى من يسقط لا سؤال عنه )، تذكرت
هجره لها بسبب العرج بعد أن قال: أنني أخاف يعيّروني أصحابي!!
صويحباتها.. وبـنات عمومتـها تزوّجن واحدة تلو الأخرى، كل خميـس زفّّه، البطانيّة
الحمراء فوق ( البلمينو ) البوق المتقطع، والسائق المبتسم.. الزغاريد.. وطلقات
البنادق ألايطاليه والألمانية ( الكشك.. المجاريد ) سبع ليالِ متتالية.. فؤادها
كأنه أتون لا أحد يريد الزواج من العرجاء.
تمرّالسنون، الدائرة تضيق، وحوش تنهش لحمها بألسنة ونظرات قاسية،
أسموها..(الزاطلة.. العانس.. العرجاء.. الشكلة.. وجه الشوم ) !!
يوم تتذكره، رجل يبحث عن عمل، وجد أباها في الحقل وهي معه، استرقّت السمع أجابه :
لدي ضأن تحتاج راعِ،وافق.. مسالم.. خجول.. نصبت الشباك.. لكل كائن فرصة.
مر الوقت.. طلبها من أبيها.. أعلن الزفاف، فرحتها لا تضاهي، عاد كيانها، ودماء
الحياة سرت في عروق جسدها ذي الخمسة والثلاثين ربيعاً !!!
ركبت ( البلمينو ) رأت البطانية الحمراء تنشــر على سقف ( البلمينو ).. صوت (الكشك
والمجاريد).. ( البلمينو ) يلف بالحي وهي غير مصدقة.
بمساعده الأهل.. بنوا الدار من صندق العسكر، أصبح لها ( نضدة.. وزوج ).. مثلها
مثل رفيقاتها، ولا أحد أحسن من أحد.
شهور.. والحال حسن وجيد، تزور وُتزار، تشترك مع النسوة في حديث العصاري.. تصف تلك
بالحول والأخرى بالبشاعة وغيرها بالدمامة وسوء السلوك !!
وفي يوم سمعت والدها يقول لزوجها :
يطلبون عمالاً في الميناء داخل المدينة ( طبرق ) ما رأيك ؟
أجاب الزوج : المسافة بعيده، (حي الحطية) يا عمي يبعد كثيراً عن الميناء.
أجاب الأب : بسيطة، مشكله حلها بسيط.
في اليوم التالي دراجة نصف عمر.. متكئة على جدار الدار.. تحصّل على العمل !!
كل صباح تعد الإفطار.. يركب دراجته.. بهمّة وساعدٌ قوي..لصعوبة العمل يتأخر في
الرجوع إلى البيت !!
تنتظره وعيناها تقدحان شرراً : ( وين توخرّت ؟؟ وين كنت ؟؟ ما نيش خديمة لحضرة
جنابك ؟؟ )
يبدأ الشجار صغيراً.. ثم يكبر، يجلس بالخارج ريثما تهدأ العاصفة.. عسى أن يحفل
بلقمة لمعدته الخاوية بعد عناء يومه المضني !!
استمر الحال.. ذات مرة كانت ثائرة أكثر.. لدرجة أن يدها لمست وجهه، صفعها بشدَّه..
وكأنه يريد أن ينتقم لكل ما مضى وما سمع، التقطت (وابور الكيروسين).. كانت الضربة
في وسط رأسه تماماً.. تتذكره و دماؤه تسيل مع رائحة الكيروسين النفاذة، وهو مشدوه
فاغراَ فاه، واضعاً يده على مكان الضربة.. نظرته الأخيرة، خروجه.. امتطاء
الدراجة.. تضاءل حجمها مع خط الأفق الأحمر لم تره إلى حين الساعة، تركها حامل
خمسة شهور، يالقسوة الرجال (شمتَّ فيّ لقصي والدوني.. الله يلعنه.، لو كان عندي
يد لوضعتهم في التنور واحداً بعد الآخر !!!
شعرت برغبةِ في رشفة ماء.. وقفت بصعوبة مع آلام ظهرها الرفيقة، خطوة كاملة.. نصف
خطوة.. مع ميل الجسد ناحية نصف الخطوة، وصلت إلى صحن الدار، أمسكت القدح..شربت،
وضعت الكوب مكانه.. عاد الألم يعتصرها.. تذكرت غناوَّتها ((.. امعيشه أمغير
عذاب... العقل لو شرى موت خيرله.. ))..
بنفس الخطوة الكاملة.. ونصف الخطوة.. إلى الخارج، عرجت على كيس مهتريء به بقايا
خبز جاف.. وبصوتِ تعرفه.. نادت.. كانت العنزة قريبه من الساقين العجفاوين..
والجدي المرقط يتقافز هنا وهناك، يلتقط ما ترميه له من خبز جاف.
صوت بالقرب منها : صباح الخير يا مبسوطة. صباح الخير.
رفعت رأسها.. انه جارها المفتش في التعليم.. الذي يعطف عليها دائماً.. يحملها
للمستشفي، ومن يدافع عنها من البلدية حين يأتي جنودها يريدون اخذ الماعز للسجن أو
هدم الصفيح.
نظرت إليه : صباح الخير... لسان حالها يقول : ( لقد مشط شعره، ورائحة عطره تفوح،
سعيد، ومرتاح ) !! على حين غرَّه.. تذكرت ابنتها التي هربت مع زوجها لمدينة
بنغازي.. وأقسمت اليمين ألا تزورها مدى الحياة..ووافقها الزوج، بعد أن وجدوا أكثر
من حجاب سحري.. وعقَّادي في ملابسهم.. ومرض زوجها الذي شكَّت ابنتها أنها هي
السبب.قاربت أن تريحها من زوج بخيل لا يهون عليه القرش.
الخطوة.. ونصف الخطوة.. إلى داخل الدار.. أقفلت المزلاج من الداخل،!!!
نظرت إلى كل ما في الدار.. جلست قرب صندوق خشبي عليه رسومات، سفن وبحر هائج، فتحته،
رائحته زكيّه.. أول ما أمسكت به يدها.. (رداء وردي اللون.. بوخمسه واثنين) والذي
أهداه إليها الزوج الهارب، شعرت بغصّة وآلم ودوار، عاودتها النوبة، نسيت أن توصي
جارها حين مروره على الدواء.
زاد الألم، شعرت أن السقف يدور، الألم وسط صدرها، وضعت يدها موضع الألم.. أرادت أن
تصرخ.. وقوعها فوق الصندوق المليء بالرسومات،و وجهها على هدية الزوج الهارب (رداء
حرير بوخمسه وأثنين...)