
بعد عشاء ليبي دسم في مربوعة *
"صديقنا صالح"، تكّرر حديثنا عن إننّا لابد من تطوير وضعّية صيدنا واسترزاقنا من
البحر بخيراته العميمة.
فالقارب الخشبي التقليدي أصبح قديماً تعلوه الطحالب إلى جانب الإرهاق البدني
باستعمال المجاديف والبطء في جر الشباك، أصبح لزاماً علينا أن نضع حل.
اتفقنا على أن كّل فرد منا يسعى من أجل الحصول على ( سلفة ) من المصرف الذي به
حسابه. اليوم التالي سعينا حثيثاً في سبيل الموضوع، الأوراق التواقيع، الضامن إلخ..
خلال أسبوع اجتمع المبلغ وفي نفس المكان.
أبوزيد :
-الخطوة
الأولى تمت ماذا بعد ؟ عقبّت وكنت أكثرهم تحمساً بحكم أنني مسئول على كل الفكرة..
-يقال
أن ( مازق الخرطوش ) لديه قارب مطاطي (
Zodiak
) جديد
بمحرك ياباني أتى به من مدينة البيضاء وهو يوّد بيعه ومناسب لنا تماماً هذا إذا لم
يسبقنا إليه مشتري آخر.
-نعم
الرأي، فلنطرق الحديد وهو ساخن "أجاب صالح" بابتسامته الواثقة المعهودة.
ثلاثتنا بالسيارة ران علينا صمت غريب فترة تسأل بعدها ابوزيد :
ما هذا ؟... بدل أن نفرح لأننا سنبّز الآخرين في الصيد نشعر العكس.
أجابه صالح :
إنها الطبيعة البشرية ربما هو تخّوف من الجديد ! أو عدم درايتنا بالشيء الحديث. كان
ردّي سريعاً انه التأثر لفراق قاربنا الخشبي العتيق ( سندباد ) وما عشناه معه من
ذكريات لا تنسى، ضحكنا لإزالة ما شابنا من شعور مؤقت.
وجدناه أمام بيته ( بحي الحرية ) يسقي شجيرات داخل السور.. قابلنا مرحباً.. أهلاً..
أهلاً.. أنشاء الله خير.
خير وكل الخير.. فقط سمعنا أن لديك. لم يدعنا نكمل حديثنا أعرف القارب المطاطي الـ
(Zodiak
) كان على معرفة بصيدنا للأسماك.
- نعم موجود كان تفاهمناً سريعاً بحكم دماثة خلقه ! وضعنا اللفّة المطاطية الرصاصية
اللون المغلّفة بالنايلون بصندوق السيارة ثم ألحقنا بها المحرك ذو اللون الأزرق.
قرأت ما على (Zodiak
) – صنع في فرنسا – أما المحرك – صنع باليابان – دخلنا بالسيارة ( جراج ) ابوزيد
أنزلناه ومعه المحرك بمنتهى الحرص فككنا اللفة وتحلقّنا حوله وهو مفروش في وسطنا،
أسرع ابوزيد ناحية باب الحديد اقفله وقال : أخاف الحسد، ثم عقب آه لو أتحصل على
بخور..!! نظرنا لحباله الجانبية – مقدمته المدببة فتحنا الحقيبة التي معه كانت
تحتوي على أرضيته عبارة عن صفائح سميكة من الألمونيوم وأعمدة قصيرة وطويلة إلى جانب
منفاخ رجل بأنبوب وأشياء أخرى، احترنا في الأمر إنها معضلة، لم نفقه ما رأيناه،
تلاقت نظراتنا ونحن جلوس قبالته استطرد بوزيد بتهكمه الدائم :
-ما
رأيك يا ذو العلم والشهادات،
-لم
أرد، قلت نستشير أهل المعرفة في هذا المجال.
-صالح
: وليكن هو الحل الأمثل.!
ركبنا السيارة من جديد قشعريرة الفرحة بتحقيق الحلم فقط يشوبها بعض القلق.
-هنا
هذا المنزل ان سيارته موجودة كم نحن محظوظون أن زميل دراسة قديم يمارس هذه الحرفة.
طرقت الباب خرج وعلى وجهه علامات الاستغراب.
-أهلاً..
أهلاً.. تفضلوا... نتحدث هنا بالسور أم في الداخل، قلنا : هنا أفضل، احضر كراسي،
بالتفافته منه ناحية باب المنزل نادى :
-يا
ولد قهوة.. قهوة يا ولد..!!
-تفضلوا
إنشاء الله خير..
أجبته : نحن اشترينا (Zodiak
) مطاطي فرنسي الصنع رقم (2) بمحرك ( ياماها ) ياباني الصنع (9.9 ) سعة وهو جديد
ومداراه لضعف معلوماتي عن الموضوع استطردت : ونظراً لأنه حديث الصنع ترددنا في
تركيبه وكيفية استعماله خوفاً من تلف أي من أشيائه.
أجاب :
-مبروك
– ماذا أقول لكم.. استعماله صعب وتركيبه أصعب سريع التلف.. كثير الانزلاق لا يتحمل
الأماكن الحجرية، والمروحة تجتذب قطع النايلون الطافية وعرضه للفئران، تخزينه صعب
وبالنسبة للجرذان يعتبر غذاءها الشهي..
بالتفاته مني رأيت (Zodiak
) عليه رقم ( 4 ) مستند إلى جدار السور، أيضاً محرك نصفه داخل برميل مياه.
صاح أين القهوة يا ولد..
صمت مشوب بالإحباط.. عقّب :
أنا عرفت كيف أحافظ عليه ولا يستطيع غيري أن يستعمله بمثل خبرتي ثم سأل فجأة من أين
حصلتم عليه. أجابه صالح : أن قريبي أتى به من مدينة البيضاء كان يمتلكه طيار مدني
ونظراً لانشغاله قرر بيعه.
عموماً الاستعمال.. شراء جبل ثم صنع مخطاف ثلاثي والمهم أن يكون دائماً معكم مياه
عذبه. وأبعدوه عن الأطفال قلت لكم ضرورة جالون مياه لان كثرين أخذهم التيار، أيضاً
الشمس تسبب انفجاره، لقد تدربت على تركيبه وقيادته بصعوبة وصبر وطول بال وعندما
أكون داخل البحر أقوده وأنا اشعر أنني مثل قبطان ألماني نازي في بارجة حربية مدمّرة
والكل يتبع أوامري في البر والبحر حتى نهاية الرحلة.
شعرت بالضيق كم أكره الزيف والكذب والتلاعب ؟ قلت وأنا اخفي ما بداخلي :
-نريد
معلومات أعمق يا رفيقي.
-قهوة
يا ولد ما هذا التأخير... يا ولد أين القهوة.
-ثم
اخرج الموبايل الصيني من جيب جلبابه... مكالمة، ابتعد عنا ثم سمعناه يتحدث بصوت
عالي، عن محاولة تخلّيه عن الصيد بالقوارب المطاطية، لأنها لا تصلح... عند رجوعه
وقف ثلاثتنا.
-شكراً
نريد الذهاب، أضاف :
-من
الممكن في الغد أن يتاح لي لأشرح أكثر لكم فاليوم مشغول كما ترون وفي النهاية لا
أنصحكم به..
-القهوة
يا ولد.. شكرناه وأخبرناه أننا لا نشرب القهوة.. فالبن غالي جداً هذه الأيام
اقفل بوزيد باب السيارة بعصّبية واضحة ثم قال : ما هذه المذلّة ؟..
اقسم أن تُحل المشكلة اليوم !. أخذنا القارب والمحرك وكل ما يلزم من بنزين وغيره.
على شاطئ البحر وعلى الرمال فرشناه ثم بدأنا، هذه هنا وهذه تركب هناك هذا اللوح
يتعشق في هذه، ثم بدأ نفخة أصبح جاهزاً في الماء ثم المحرك كان أوضح وأسهل صامولات
ربطه باللوح الخلفي ثم خيط إدارة المحرك شددّناه مرة ثم مرة غلا هديره، ثم أصبح
ساكناً وسلساً، حركنا الذراع يمنه اتجهت مقّدم (Zodiak
) يسره والعكس ثم دواسة البنزين باليد للسرعات. وقت. وأصبح ملكنا بكل ما فيه، نمخر
به عباب البحر واليم متعه لا تضاهي..
تلك الليلة لم انم، في الصباح الباكر كنت أولّهم.. لا أجد أي كلمات مهم كانت
بلاغتها لأصف مشاعري... مع شروق الشمس وأشعتّها المنعكسة على صفحة المياه كمرآة
طيور النورس تقتات وتناجي بعضها في حديث حبيِّ ووله.. وكأنها فَرِحَه لفرحتنا.
وبحكم الخبرة مع ( سندباد ) العتيق اخترنا مكان صيد وفير... رمينا الشباك.. ثم
تناوبنا الغطس بالرئة الصناعية وبنادق الضغط الهوائي بحربونها المريّش.
خرجنا الظهيرة إلى اليابسة بما اصطدناه وكان الحظ حليفنا، تاركين الشباك.
انتظرنا الطعام من الطاهي ( ابوزيد ) الذي يجيده ويجيد التندّر بالآراء حتى أنني من
اسماه ( الفيلسوف العقيم ) وبعد الشاي الأحمر... اتكأ بوزيد على جانب السيارة موجها
نظرة إلى قاربنا الذي نصفه في البر ونصفه الآخر بالماء يتحّرك بحركة المد والجزر
وكل ملابسنا داخله، كعادتي في استفزازه ماذا يفكر الفيلسوف ( أفلاطون ) نظر نحوي
بجديّة نظرة ملؤها عمق الحديث الذي سيعقبها :
-أُريد
أن أسألك :
-ما
نوع سيارتنا وما صناعتها؟
-تويوتا
الصنع ياباني.
-و
(Zodiak
) :
-فرنسي
والمحرك ياباني.
-وملابس
الغطس؟
واصل أسئلته، وكنت أُجيب :
-مختلطة
ما بين ايطالي، اسباني، يوناني، ملابسنا العادية اغلبها صيني، الهواتف المحمولة ؟
ما بين هنغاري وصيني عقبت إلى ماذا تريد أن تصل ؟
ثم آه نسيت فقط ملابسنا الداخلية فهي من القطن المصري.
قال : كل شيء أجنبي ومستورد فهمت ما يقصده. قال عبد الله : السجائر والكبريت وأواني
الطبخ والصابون كلها عربية خالصة.
-ضحك
بألم... وأضاف نحن صنعنا التاريخ بحضارتنا الإسلامية عقود من الزمن لا نستطع أن
نصنع إلا الكبريت والسجائر، اتحدي أي دولة عربية تصنع محرك سيارة إلى الآن.
-أتعلمون
أشك أن هيكلنا العظمي ودورتنا الدموية والتنفسية حتى هي عربية من كثرة حبنا لما هو
أجنبي.
---------------------------------------------